كي نلتقي لا كي نبقى ❤️🩵

​ألم نتفق أن نترك كل تلك الأحاسيس جانبًا؟ 

أن نكون روحين تسيران في عتمة الليالي، تتجاذبان أطراف الحديث، وتترك كل واحدة منهما للأخرى مساحةً تكفي كي لا تضيع، دون أن نحاول أن نسمي ما بيننا، أو نمنحه أكثر مما يحتمل.

ألم نتفق أن نواصل المسير؟

كنتُ قد أقنعت نفسي بذلك تمامًا. قلتُ إن التوقف هو الصواب، وإن بعض الطرق، مهما أحببناها، لا ينبغي أن نكملها إلى النهاية. أقنعت نفسي أن المسافة قد تكون أرحم، وأن الصمت قد يكون أكثر أمانًا من تلك المساحة المعلّقة بيننا، حيث لا أعرف أين أقف، ولا إلى أين أمضي.

وصدّقت نفسي أو هكذا ظننت ثم عدتُ.

لا أعرف كيف حدث ذلك بالضبط. ربما لم أعد إليكِ، ربما عدتُ إلى شيءٍ تركته في مكانٍ ما بيننا ولم أستطع أن أمضي بدونه وحين رأيتكِ، للحظة الأولى، لم أعرف ماذا أفعل. توقفت كل تلك الجمل التي كنت قد رتبتها في رأسي. الأشياء التي كنت أريد أن أقولها، الأسئلة التي ظننت أنني سأطرحها، وحتى ذلك الهدوء الذي تدربت عليه طويلًا… كلّه اختفى في لحظة.

بقيتُ أنظر إليكِ وكأنني أراكِ للمرة الأولى، وكأن الأيام التي حاولت أن أضعها بيننا لم تمر أصلًا. كنتِ تتحدثين ببساطة، عن أشياء عادية لا تستحق أن تُحفظ في الذاكرة، وأنا كنت أستمع إليكِ بطريقةٍ مختلفة. كنت أراقب نبرة صوتكِ، ضحكتكِ حين تقولين شيئًا عابرًا، والطريقة التي تتوقفين بها قليلًا قبل أن تكملي حديثكِ. حتى صمتكِ كان له حضور. وكنتُ أحاول أن أبدو طبيعيًا. أجيبكِ حين تسألين، أبتسم حين تبتسمين، وأشارككِ الحديث كما لو أنني لم أقضِ وقتًا طويلًا أحاول أن أقنع نفسي بأن هذا اللقاء لم يعد يعني لي شيئًا. لكن الحقيقة أنني كنت أرتب ارتباكي أكثر مما كنت أرتب كلماتي. وفي لحظةٍ ما التقت عيناي بعينيكِ وكان ذلك كافيًا. 

لم يحدث شيء يمكن وصفه، لم تقولي شيئًا، ولم أجد في نظرتكِ وعدًا أو سؤالًا أو حتى جوابًا. ومع ذلك شعرتُ بأن كل ما حاولت أن أهرب منه عاد دفعةً واحدة. هزمتني عيناكِ. ليس لأنهما قالتا شيئًا، بل لأنهما ذكرتاني بكل شيء. بالليالي التي تحدثنا فيها طويلًا، بالصدف التي كانت تجمعنا دون أن نبحث عن بعضها، بالأشياء الصغيرة التي كنت أظن أنني نسيتها، فإذا بها لا تزال محفوظة في مكانٍ ما داخلي. حتى التفاصيل التي لم أكن أتوقع أن أتذكرها عادت….

طريقة جلوسكِ، نبرة صوتكِ، تلك الابتسامة التي تظهر حين تحاولين إخفاء ضحكتكِ، وحتى اللحظات التي سكتنا فيها ولم يكن أحد منا بحاجة إلى أن يقول شيئًا. كنتُ هناك معكِ، لكن جزءًا مني كان يراقب المشهد من بعيد، ويسألني سؤالًا واحدًا:

" كيف استطعتَ أن تقنع نفسك بأنك تجاوزت كل هذا؟ "

وحين انتهى اللقاء، لم أشعر أنني انتهيت منكِ. شعرتُ أنني بدأتُ من جديد. خرجتُ وأنا أحمل في داخلي فراغًا أكبر من ذاك الذي جئتُ به. لا لأن شيئًا سيئًا حدث، بل لأن شيئًا جميلًا حدث في الوقت الذي كنت أحاول فيه إقناع نفسي بأنني لم أعد أريده. ظللتُ أمشي دون وجهة واضحة، وأعيد في رأسي تفاصيل اللقاء كأنني أخشى أن تضيع مني. أعيد كلمةً قلتِها، ثم أعود إلى نظرة، ثم أتذكر ضحكتكِ، ثم أسأل نفسي لماذا كنتُ ألتفت إلى كل هذه الأشياء بهذه الدقة. وربما كنت أعرف الجواب. لكنني لم أكن أملك الشجاعة لأعترف به…..

هنا بدأتُ أضيع من جديد. لا أعرف هل أشتاق إليكِ، أم أشتاق إلى نفسي حين أكون بقربكِ. لا أعرف هل أريد أن أواصل الطريق، أم أنني فقط أخاف أن أتركه. ولا أعرف إن كان ما بيننا يحتاج إلى نهاية، أم أنه لم يبدأ أصلًا كي تكون له نهاية. كل ما أعرفه أنني كلما ابتعدتُ عدتُ أبحث عنكِ بطريقةٍ ما وكلما أقنعت نفسي أنني تجاوزت الأمر جاءت لحظة صغيرة كلمة مكان نظرة أو حتى ذكرى عابرة لتخبرني أنني كنت أكذب على نفسي أكثر مما كنت صادقًا معها.

فهل كنتُ الجاني حين تركتُ هذا الشعور يكبر؟ أم كنتُ المجنيّ عليه حين ظننت أنني أستطيع اقتلاعه بقرار؟

ربما لا هذا ولا ذاك. ربما كنتُ فقط إنسانًا حاول أن يكون عاقلًا في مكانٍ لم يكن العقل فيه وحده كافيًا. ولهذا وأنا أعود إلى البيت بعد لقائنا، لم أكن غاضبًا منكِ، ولا من نفسي. كنتُ فقط صامتًا. أفكر في اتفاقنا القديم…

أن نترك كل شيء جانبًا، وأن نواصل المسير كروحَين لا تبحث إحداهما عن الأخرى. لكنني اليوم أدركت شيئًا لم أكن أريد معرفته ربما لم تكن المشكلة أنني عدتُ أبحث عنكِ. ربما المشكلة أنني طوال هذا الوقت لم أتوقف عن ذلك أصلًا. وأنني حين قلتُ لنفسي إنني سأترككِ خلفي كنتُ فقط أطلب من قلبي أن يمشي إلى الأمام، بينما كان جزءٌ منه لا يزال واقفًا عندكِ. وربما كان لقاؤنا اليوم مقدّرًا منذ البداية. ربما كان لا بدّ أن نلتقي، ولو مرةً أخرى، حتى أعرف أن بعض الأشياء لا تنتهي حين نبتعد عنها. وأن بعض الوجوه لا تحتاج إلى موعد كي تعود إلى القلب. لكنني بدأت أفهم شيئًا آخر…

ليس كل لقاءٍ مقدّرًا كي يتكرر. بعض اللقاءات يكتبها القدر بدقةٍ عجيبة، ثم يتركها وحيدة في الذاكرة، كأنها كانت رسالةً قصيرة لا أكثر. ربما كان مقدّرًا أن نلتقي اليوم وأن تهزميني بعينيكِ وأن أعود إلى البيت مثقلًا بكل ما حاولت نسيانه. وربما كان مقدّرًا أيضًا…

ألا نلتقي بعد اليوم وهذا ما يؤلمني أكثر. أن يكون اللقاء بيننا مكتوبًا، بينما لا يكون الاجتماع. أن تجمعنا الصدفة مرةً أخرى ثم لا تمنحنا الحياة صدفةً ثالثة. لذلك لن أطلب من الأيام أن تعيدكِ إليّ. سأكتفي بأن أعرف أنني التقيتكِ مرةً أخرى ولو للحظات وأن شيئًا في داخلي كان يحتاج إلى ذلك اللقاء كي يهدأ حتى لو لم يهدأ تمامًا. وسأمضي. لا لأنني نسيتكِ، ولا لأنني لم أعد أريد أن أراكِ…

بل لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الأشخاص قد يكونون من أجمل ما كتبه القدر لنا، دون أن يكونوا بالضرورة جزءًا من بقية الطريق. وربما لهذا كان لقاؤنا مقدّرًا… 

كي نلتقي لا كي نبقى.

Commentaires

Articles les plus consultés